23 أغسطس, 2008

اللا لون

كان يجرى وراء الأتوبيس وداخل عقله تجرى وراءه حياته ، وإن كانت سرعته لا تستطسع أن تلاحق ذلك الوحش الكاسر كما أن حياته لم تستطع أن تلحق به رغم وداعته الغريبة.
ظل يجرى وراء الأتوبيس مسافة أربعين محطة ، وحياته تجرى وراءه طوال حياته ، لم يعرف معنى أن تلاحقه حياته ، ملاحقة الماضى هو الشئ المألوف أما ملاحقة الماضى والحاضر والمستقبل له فهو ما لا يطاق ، ولا يطاق أبدا ذلك الأتوبيس الذى لا يقف قط ، إنما يقفز الناس منه وإليه كالضفادع الخضراء الباهتة ، كلها تمتلك نفس الصفات ونفس العادات ونفس الشكل واللون والرائحة ،رائحة الرضا الغريبة التى سيطرت على نفوسها القانعة القابعة داخل ظلال الحياة.
نفس الحياة التى تلاحقه ولا يلاحقها أبدا ، كل ما لاحقه طوال حياته عو الأتوبيس ، أراد أن يجد لنفسه مكان داخله لكن قدماه لم تكن قويتان مثل أقدام الجميع ، كما أن لونه لم يكن أخضرا أبدا غير أنه دوما ما كان باهتا ، ولكن ليس أخضرا وليس لونا فعليا ، بل هو البهتان المطلق كلون الحياة، بل كلا لون الحياة التى لم تستطع قط أن تلحق به كما لم يستطع هو قط أن يلحق بالأتوبيس اللعين.
ظن لو انه استسلم للحياة التى تلاحقه لحولته لضفدع بأرجل سحرية تستطيع أن تقفز بكل سهولة من وإلى الأتوبيس ، كل ما أراده هو رؤية ذلك الأتوبيس من الداخل ، أهو الجنة؟!استسلم داخل عقله للحياة التى تلاحقه، فى نفس الوقت الذى يلاحق فيه الأتوبيس ، وكما توقع بالضبط أول ما تمكنت منه ، اكتسب جلده الون الأخضر الياهت ، ولكم ما لم يتوقعه هو أن يجد الأتوبيس وراءه بسرعته الهائلة ليدهسه قبل أن تكتسب قدماه السحر الذى تمناه..

22 أغسطس, 2008

الخيوط البيضاء

لطالما أحس أنه غريب عن معظم من حوله من الناس ، لا يمشى مثلهم لا يتكلم مثلهم ولا يأكل ما يأكلون أو يشرب ما يشربون...
على الرغم من أنه دائما ما كان يمشى على نفس الأرض التى يمشون عليها، إلا أنه دوما ما عرف أن هناك شيئا خاطئا معه ، معه بالذات ، ومعه فقط..
ظل هذا الشئ الخاطئ داخل قلبه بعيدا عن عقله كيلا يبوح به لعقل أحد ما ، ظل هذا الشئ متعمقا متشعبا كخيوط العنكبوت التى ملأت الجو من حلوه فأصبح يخترقها بعينيه بدلا من إزاحتها بيده، وتعمق الشئ داخله أكثر فأكثر مكونا إحساس لديه ظل ملازما له أينما مشى وأينما سار...
دوما ما كان غريبا، أبدا لم يكن مغتربا ، الاغتراب شئ من الغربة ، يجوز لك أن تغترب عن الغرباء ، ولا يجوز لك أن تغترب عن ناسك الغرباء أيضا ، الجميع لديه غرباء ، لكنه كان يفصل ما بين الغريب والغريب..

أخذت العناكب تجرى من حوله فى كل مكان مكونة حوله بخيوطها البيضاء الدافئة الرطبة القذرة شرنقة ، لم يعترض على تلك الشرنقة ، بل ظن أنها سبيله للابتعاد عن الغرباء من حوله...

أن تكون غريبا وسط غرباء يجعل منك واحدا منهم ، لكن أن ينظروا لك على أنك غريب يجعلك مغتربا عنهم ، ظلت مسألة الغربة والاغتراب تلعبان داخل عقله ، لا لم يصلا لعقله قط ، ظلا دوما ينسجان خيوطهما داخل قلبه وحوله وكأنما ينسجان الشرنقة التى دخل إليها من زمن ، ما هى إلا الشرنقة التى نسجها بنفسه حول قلبه مع اختلاف المقاييس..وإن كانت العناكب تختلف فى المقاييس أمامه ، وإن كانت هى سبب مشكلاته ، ظلت دوما مألوفة لديه تبعده عن إحساس الغربة بخيوطها البيضاء الدافئة الناعمة القذرة...

19 أغسطس, 2008

فى لحظة


ارتعشت قدماه فجأة على غير عادة ودون سابق انذار ، وتسمرت عيناه فى مكانهما كأنما قد رأيتا الاله ، تعرقت يداه كما لو أنهما مصدر المحيط ، خفق قلبه خفقانا سريعا كأنما هو الرعد فى الليال الممطرة ، وكان كله على بعضه مجرد طفل فقد أمه.
لم يدرك ماذا حدث له ؟ ولم يرد أن يعرف ما الذى حدث، فهو فى أسعد لحظة وأسعد مكان وفى أسعد حالة ، دوما ما سمع اللحظة وأبدا لم يعرف ما هى؟!
يمثل الناس اللحظة ، بل يعتقد الناس اللحظة أنها مجرد....امممم.....مجرد ثوانى معدودة تمر دون الاحساس بها ، لكن لحظته كانت عبارة عن سنوات متعددة متتالية لا يمكنكك إلا الإحساس بها....
تمنى لو يفيق مما فيه ، تمنى لو استعاد رشده ، لكنه ظل كالطفل القابع أمام أكياس الحلوى ،لا يستطيع تناولها لخوف أنانيته من مشاركته أخوته لها، ولا يستطيع تركها خوفا منه عليها...
قاوم بكل ما أوتى من قوة العقل ليفيق ول للحظة ، لكنه أدرك أن اللحظة هى ما هو فيها الان، فقاوم لجزء من الثانية ، يتظاهر لنا بأنه جزء من الثانية ، لكنه فى لحظته أقرب ما يكون للسنوات....
وفى تلك السنوات رأى كل ما كان يجب أن يراه ، رأى كيف يقبع وحش الالتزام كسيرا حزينا فى الركن بعيدا عن وحش الظروف المنتصر تحت الأضواء وسط القاعة الكبيرة. ورأى كيف تساقطت رومانسيته كورقة الشجر الخريفية، بل كاخر ورقة خريف لتسمح للشتاء الدافئ شديد البرودة أن يأتى.
فإن كان شديد البرودة على قلبه المتجمد فإنه دوما ما يدفئ قلوب أشخاص اخرين...هكذا كان يفكر.
رأى الأوراق تأتى فتذهب وتذهب وتأتى ، تطير بأهداف وبلا أهداف ولكنها تساوت فى الطيران جميعها...
كل ما راه كان كفيلا بأن يصدمه كالبرق فى مكانه ليفيق من لحظته ، كفيلا بأن يعيده لسنه ، ولقلبه ايقاعه الطبيعى ، وليديه جفافها ، ولقدميه ثباتها مواصلا السير مشيحا نظراته عن حب حياته..

10 مايو, 2008

واختبأ…..داخل حائط




حتى وإن استطاع الاختباء اليوم، لن يختبئ طول عمره، وستأتى دوما هواجسه لتطارده كما يطارد الطموح أحلامه، لن تتركه أبدا ولن تريحه أبدا، ستجعله دوما يعيش فى ذلك الاختباء.
حتى لو لم يضطر لفعل ذلك، فدائما كانت حوائط نفسه الداخلية أقوى من حوائط الفراغات الأسمنتية، فأصبحت المشاعر لديه مجرد قوى متقاذفة متخبطة تحاول دوما الخروج من دائرة الاختباء، وإن كانت القوى المتنافرة تتجاذب فإن قواه المتنافرة لا تريد إلا أن تتنافر ضاربة بكل ثقلها قوانين الفيزياء عرض الحائط.

نفس الحائط الذى ظل ولا يظل يكتم نفسه داخله، لا يريد أن يخرج منه ، ولم يحاول أن يخرج منه أبدا.

وما العيب فيه الان؟؟ هكذا دوما كان ينظر وهكذا دوما كان ينتظر ، ولا يبالى بما يدور من حوله، غير عابئا بما قد يطرأ على حياته، فهى مجرد حفنة من العبث اللامتناهى والذى طالما ما تحول جزء منه لهواجس ومخاوف سارعت فى جعله يختبئ داخل بوتقة أمانه السرية والتى يعتقد أنها مصنوعة من أحلامه ، فحتى وإن كانت أحلامه بلا معنى فلابد أن يكون لها هدف، غياب المعنى لا يحول دون وجود هدف ، ووجود الهدف دون معنى هو هدف باطل فى حد ذاته.

لم يهتم قط ببطلان الشئ أو صلاحيته، لم يهتم بماهية شئ قط ، كل ما أراده هو كسر عرض الحائط ، ولم يبتغ طوله يوما ، فإن كان وهو مثله مثل الحائط فى الطول فهو أدرى أن الضربة الموجعة هى التى تأتى دوما فى العرض ، والعرض أيضا…

ولكنه لم يصل لعرض شئ فى يوم ما، ولن يفعل ذلك أبدا ، فحياته مجموعة من الحوائط المتتالية ، متتالية فى التتابع وفى الأحجام وفى الطول والعرض.

فلم يجد ما يفغله فى وسط كل ذلك الاوعى إلا أن يختبئ حتى وإن كان بلا طائل..

24 فبراير, 2008

يوم فقد أمه


أعد لها العشاء تمام كما تحبه، ووضع أسطوانة أغنيتها المفضلة ( أمل حياتى) لتشدو ( الست ) كالبلابل، ناداها بصوته الهادئ العطوف، فلم ترد عليه، لم يتساءل فيما هى منشغلة فدوما تنشغل النساء فى أشياء لا يهتم بها الرجال..
حضر المائدة على أتم ما يكون وأضاء الشموع وأخفض صوت الست ليعلو سحرها ويزداد، وناداها مرة اخرى ولم تلب أيضا، فدخل إلى غرفتيهما ليرى فيما انشغالها ، وبينما يتجه نحو الغرفة ظل يتذكر اليوم الأول الذى دخلا فيه سويا تلك الغرفة ، وكيف أن تلك المدة قد مرت هكذا سريعا سريعا، فشهدت جدران تلك الشقة مجئ ورحيل الأولاد، فقد دخلاها وحيدان وهاهما لازالا سويا وحيدان أيضا.....
دلف إلى الغرفة بخطى بطيئة ونظر من تحت نظارته باحثا عن زوجته، فوجدها نائمة على السرير ، فوقف يتأملها ويتذكر اليوم الأول الذى رأها فيه وكيف أسره جمالها، وكيف جذبته شخصيتها، وكيف أنه لازال أسير هذا الجمال مجذوب تلك الشخصية كل يوم على مدار ثلاثين عاما...
اقترب منها كما اقترب أول مرة ببطئ شديد، وأربت على كتفها فى حنان أشد، سائلا إياها أن تصحو ، ولكم أحب نظرتها وهى نائمة، ولطالما أقسم أنه يظل يرى عينيها حتى وإن أغلقتاهما..لم ترد عليه أو تلتفت للكزته، فظن أنما قد انتقلت من الغفو للنوم الثقيل، فهزها هزا على طريقة رجل الكهف، ولكن لازالت دون حراك..
أمسك يدها فوجدها باردة كالثلج، فصرخ عليها ناهرا إياها أن تكون قد فعلتها؟وكيف تفعلها؟ ولماذا تفعلها؟! كيف تتركينى؟؟ هكذا ظل يصرخ بها ويلكزها فى كتفها على غير قوة وإنما عن خيبة أمل،متسائلا لمن تتركه ولماذا لم تخبره أنها ستتركه؟ وعاد كالطفل من جديد يسأل أسئلة لا معنى لها ، وعاد كالطفل من جديد يتيما بدون حضن..
لم يبك يوم ماتت أمه ولن يبكى اليوم، فقط وضع رأسه فى حضنها ويدها على رأسه، واستسلم لبكاء شديد...بكاء سنين قد اجتمعت لتنطلق الان على كلمات الست..
( احكى لى قل لى ايه ناقص تانى من الأمان وأنا بين إيديك)

16 فبراير, 2008

دموع الملائكة

فتحت باب الشرفة بطيئا على غير شخصيتها الهوجاء، ودلفت إليها لتقف فيها مراقبة المارة، لم ترد قط أن تمطر السماء اليوم، فهى بطبعها لا تحب المطر فمن صغرها وهى تظنها دموع الملائكة التى انكسرت أجنحتها بسبب الريح العاصفة، ولم تغير تلك الفكرة أبدا، فلا زالت تظن أن الملائكة تنكسر أجنحتها من الريح العاتية وأن تلك السحب المتجمعة هى ريشها المنكسر، والمطر هو دموعها المتدفقة....
لم تجد فى المارة ما قد يثير فضولها ليجعلها تنظر أو تراقب، فاكتفت بأن تلعب فى أوراق الزهور التى أهداها إليها والدها يوم نجاحها فى الإعدادية، وحقا كما قال بائعا ( الزهور دى عمرها طويل)
ظلت تلعب بأصابعها فى وريقات الزهرة وعيناها تراقبان تلك المداعبة،وعقلها يتساءل لماذا لم يكتب لشارى الزهور عمرها...؟؟ دون أن تدرى كسرت الزهور بيدها، حينها سقطت دموعها التى لم تكن أقل حزنا من دموع الملائكة....

ذكريات

ظلت الذكريات تتابع على عقله كما تتابع مشاهد الفيلم الذى يشاهده، على الرغم من أنه عرض صيفى منتصف الليل إلا أن قاعة السينما قد خلت من الناس إلا منه تقريبا، لم يهتم مطلقا بوجود الناس من عدمه، كل ما كان يهمه هو تلك الذكريات التى لا تنفك تمضى إلا وتعود لتتراءى أمام عينيه لتحل محل مشاهد الفيلم المعروض.
لم يظن يوما أنه سيظل هكذا وحيدا فى قاعة سينما دون أى أحد بجانبه، لم يظن يوما أن كل من عرفهم طوال حياته سيأتى يوم ما ويذهبوا، لم يظن ذلك مطلقا، بل كان متأكدا تمام التأكد أنه سيموت وسط عائلته ،وحوله كل من يحبهم، ولم يكن ليظن يوما أن غلطة واحدة قد تجعله يخسر كل هذا، غلطة واحدة تجعله يضيع الأحلام التى حققها والتى لم يحلم بها بعد.
لم يعتذر عما فعله فى حق وةجته ، لا يحتاج لاعتذار، حتى وإن اعتذر فما اعتذاره إلا مجرد تحصيل حاصل ..لن يقبل ولن يغير شئ.
ظلت الذكريات تتقاتل سويا لتقفز أمام عينيه قبل الأخرى ،وظل هو يقاتلهم جميعا كيلا يظهروا أمامه، فحتى وإن كان أكثر مذنب على وجه الأرض، فهذا لا يمنعه من مشاهدة فيلم ما فى سينما ما، حتى وإن كان وحيدا..
لم يهتم قط بالفيلم أو بالتمثيل أو بأى شئ، كل ما أراده هو شريط سينمائى يحمل محل شريط ذكرياته، ولكن ظل شريط الذكريات أقوى من أى شئ اخر ، ولم يستطع قط التغلب عليه أو حتى الهروب منه..
ظل محدقا فى شاشة العرض،وكانت نهاية الفيلم ، وظهرت كلمات النهاية ، ولا زال محدقا.
أقفلت الشاشة ولا زال محدقا،أنيرت الصالة وأخذ الناس القليلون فى الخروج ولا زال محدقا على غير حراك، وكأنما شريط الذكريات لا زال يعمل...
خرج الجميع وأظلمت القاعة مرة أخرى...
لم يتحرك جسده،إلا رأسه وقد سقطت على صدره، ولكنه لازال محدقا...ولكن..إلى الفراغ.

Share it